عماد الدين خليل
277
دراسة في السيرة
مدارسهم ، يتحدثون إليهم ويسألونهم ويسمعون منهم ، ويرون التوراة تصدق القرآن والقرآن يصدق التوراة « 1 » . ولن ننسى هنا إسلام الحبر اليهودي المعروف عبد اللّه بن سلّام القينقاعي وأهل بيته « 2 » ، ومجابهته اليهود بإسلامه ودعوته إياهم إلى الدين الجديد « 3 » . وبدأ الصراع المرير بين الإسلام وبين الوثنية العربية بقيادة قريش حروب عصابات وحصارا اقتصاديا أول الأمر ، ومجابهات عسكرية نظامية حاسمة بعد ذلك . . وبدأ يتضح لليهود - بعد الانتصار الذي حققه المسلمون في بدر - أن بقاءهم ساكتين إزاء ما يجري من صراع سيمكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من تصفية أعدائه وتعزيز مركز الدولة الإسلامية في الجزيرة ، وسيجد اليهود أنفسهم آنذاك منفردين بمواجهة الإسلام ، مرغمين على قبول سلطته السياسية بشكل نهائي ، وهذا ما لا يمكن أن يتصوروه لأنه يمثل خطرا على مصالحهم وانغلاقهم وتفرّدهم التاريخي الطويل بالسلطان . ومن ثم بدؤوا يتحركون باتجاهات شتى لعرقلة الحركة الإسلامية ، ووضع المصاعب في طريقها وسحقها في نهاية المطاف ، ضاربين عرض الحائط بكل التزاماتهم تجاه الإسلام في الدستور الذي وقعوه مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يدع اليهود ، في تحركاتهم المضادة تلك ، أسلوبا إلا اتبعوه تصعيدا للحرب النفسية والمطاردات الجدلية « 4 » ، فتنة اجتماعية ، اغتيالا فرديا ، تحركا عسكريا ، خيانة في الأوقات الحرجة ، وتأليبا للقوى المعادية للإسلام وتجميعها كي تضرب عن قوس واحدة ، إلا أن من سوء حظ اليهود أنهم لم يتحركوا مجتمعين ويقفوا صفا واحدا بمواجهة الإسلام ، الأمر الذي مكّن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من التصدي لكل منهم على انفراد ، وتصفيته واحدا بعد آخر . وربما فكر اليهود في هذا التحرك الجماعي المشترك لولا خوفهم العاقبة حيث سيؤدي ذلك إلى كشفهم نهائيا وهم لم يعتادوا العمل المكشوف ، ومن ثم آثروا الأسلوب الآخر ، وهو أن يختار كل قبيلة منهم الفرصة المناسبة لضرب الإسلام وإضعاف دولته .
--> ( 1 ) الشريف : مكة والمدينة ص 474 عن تفسير الطبري 2 / 381 - 384 . ( 2 ) ابن الأثير : أسد الغابة 3 / 176 . ( 3 ) الشريف : مكة والمدينة ص 474 فما بعد وانظر السمهودي : وفاء الوفا 1 / 194 - 195 . ( 4 ) انظر : الطبري 2 / 401 ، 412 ، الواقدي 1 / 184 - 185 ، 204 ، 413 ، البلاذري : أنساب 1 / 284 - 285 .